في التقاطع بين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصحافة الاستقصائية: دروس من GIJC 2025
في عام 2025، حضرتُ المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية (GIJC) في كوالالمبور بماليزيا، كزميلة في مسار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن زمالة الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية (GIJN) وبالتعاون مع Malaysiakini. جاءت هذه الزمالة في لحظة مفصلية في مسيرتي المهنية؛ فقبل أقل من شهر واحد فقط، كنت قد أسست "أنماط"، وهو مشروع يركز على استخدام خوارزميات التعلم الآلي لرصد وتحليل وقياس الانحياز في المحتوى الإعلامي والسرديات النصية.
ما بقي معي أكثر من أي شيء آخر بعد المؤتمر لم يكن فقط السرعة التي تتطور بها الأدوات التكنولوجية في العمل الاستقصائي، بل أيضًا عدد الصحفيين من خلفيات وهويات ومناطق مختلفة الذين يعملون بالفعل في قلب هذا التحول. كان عملهم يوضح حقيقة واحدة: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لم يعودا مهارات هامشية في الصحافة، بل أصبحا يحددان بشكل متزايد كيف تبدأ التحقيقات، وكيف تتطور، وكيف تصل إلى الجمهور.
خلال ذلك الأسبوع، صادفتُ مشاريع وسّعت فهمي لما يمكن أن تبدو عليه الصحافة الاستقصائية اليوم. بعضها ركز على كشف الانحياز الخوارزمي نفسه. وبعضها استخدم أساليب حوسبية لإثبات أنشطة تعدين غير قانونية. وكان هناك تحقيق حلل كيف يتأثر وصول السكان لأشعة الشمس في المدن الكثيفة بقرارات التخطيط العمراني. هذه القصص، القادمة من الشمال والجنوب العالمي على حد سواء، دفعتني للتفكير بشكل أكثر واقعية في المسارات الممكنة لتطور "أنماط".
فيما يلي أبرز الدروس التي بقيت معي، والتي أعتقد أنها تستحق أن تُشارك مع مجتمع الصحافة.
التكنولوجيا لا تزيل عدم المساواة لكنها يمكن أن تضيق فجوتها
أحد أكثر الحقائق التي تم التأكيد عليها خلال المؤتمر هو أن التكنولوجيا لا تخلق تلقائيًا تكافؤًا في الفرص. فتكلفة الابتكار، وصعوبة الوصول إلى البيانات المنظمة، والفجوات في البنية التحتية، ما زالت تمنح غرف الأخبار في الشمال العالمي أفضلية واضحة في تطوير أساليب استقصائية جديدة.
هذه الفجوات لا تظهر فقط بين الدول، بل داخل البلد الواحد، حيث تنفصل غرف الأخبار المحلية عن المؤسسات الوطنية والدولية.
ومع ذلك، ما شهدته في GIJC25 أظهر أن الاستخدام المسؤول والمبتكر للذكاء الاصطناعي يمكن أن يبدأ في تقليص أجزاء من هذه الفجوة. ففي جلسات مثل "كشف المخالفات باستخدام الذكاء الاصطناعي: الأساليب والتقنيات والتحديات"، عرض المتحدثون أمثلة عملية لكيف يمكن للتكنولوجيا أن تدعم صحافة المساءلة.
عرضت مؤسسة CalMatters كيف ساعدت أدوات الذكاء الاصطناعي في تعزيز التحقيقات المتعلقة بمساءلة المسؤولين المحليين، ومكّنت الصحفيين المحليين من إنتاج قصص عالية الجودة، كما ساعدت المواطنين على فهم أداء ممثليهم المنتخبين خلال جلسات الاستماع العامة، وهو ما يعالج فجوات الموارد التي تعاني منها غرف الأخبار المحلية.
وفي مثال آخر، عرضت "نيلي كالو" من مركز الصحافة الاستقصائية التعاونية في نيجيريا كيف تم استخدام الذكاء الاصطناعي لمواجهة التضليل خلال الانتخابات. يحوّل هذا المشروع القصص الاستقصائية إلى معارض تفاعلية داخل بيئة Voxels الافتراضية، مما يتيح للجمهور استكشاف البيانات والمواد البصرية والسرديات داخل فضاء ثلاثي الأبعاد. وهو جزء من مبادرة أوسع لاستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لخلق طرق جديدة تمكّن الجمهور من التفاعل مع التحقيقات القائمة على البيانات وفهمها.
رؤية هذه السياقات المختلفة جنبًا إلى جنب جعلت فكرة واحدة تبرز بوضوح: التكنولوجيا تصبح أداة تمكين فقط عندما تُوجَّه لخدمة أهداف واضحة تتعلق بالمصلحة العامة.
في الصحافة المعتمدة على التكنولوجيا، الشفافية ليست اختيارًا
من بين الموضوعات المتكررة في النقاشات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي كانت الشفافية، ليس فقط كقيمة، بل كأسلوب عمل.
تحدث متحدثون مثل "سيسي وي" من CalMatters و"فابريزيو بالومبو" من مركز موارد صحافة الذكاء الاصطناعي عن أهمية مشاركة الشيفرات البرمجية وراء أعمالهم. ما لفت انتباهي أن هذا لم يُطرح كفعل أخلاقي فقط، بل كضرورة لإمكانية إعادة إنتاج العمل، بما يسمح لصحفيين آخرين بالتحقق من المنهجيات وتكييفها والبناء عليها.
بعد أكثر من عام من دراسة علوم البيانات افتراضيًا وسط مهندسين ومتخصصين تقنيين، بدا هذا مألوفًا بالنسبة لي. فالمجتمعات التقنية تقوم أساسًا على التعاون وإمكانية إعادة إنتاج العمل، ليس بهدف النسخ، بل بهدف الاختبار والتحسين والتطوير. ومع تزايد تداخل الصحافة مع التكنولوجيا، أصبحت هذه المبادئ ضرورية للحفاظ على التقدم الجماعي.
التعاون عبر الحدود أصبح استراتيجية للبقاء
درس آخر بقي معي هو مدى اعتماد الصحافة الاستقصائية اليوم على التعاون العابر للحدود.
تواجه المؤسسات الإعلامية المستقلة ضغوطًا مالية متزايدة، بما في ذلك الاضطرابات المرتبطة بتغيرات في مصادر التمويل الدولي. وخلال المؤتمر، تحدث العديد من مؤسسي غرف الأخبار والمحررين بصراحة عن كيفية تعاملهم مع هذه التحديات، وكان التعاون أحد أكثر الحلول تكرارًا.
العديد من المشاريع الأكثر طموحًا التي عُرضت في GIJC25 نشأت من شراكات عابرة للمناطق واللغات والمؤسسات. هذا النوع من التعاون يتيح للصحفيين الوصول إلى أدوات وخبرات قد لا تكون متاحة محليًا، ويساعد في توسيع نطاق التحقيقات وبناء شبكات دعم حول القصص المعقدة.
يمكن رؤية ذلك في التعاونات وراء أعمال Agência Pública المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وكذلك الشراكات التي طورها مركز موارد صحافة الذكاء الاصطناعي مع غرف أخبار نرويجية لدعم التحقيقات التقنية.
في كثير من الحالات، لم يعد التعاون مجرد خيار مفيد، بل أصبح شرطًا لحدوث بعض التحقيقات أصلًا. وقد عزز هذا الدرس ثقتي فيما نقوم به في "أنماط"، حيث نتعاون مع عدد من غرف الأخبار لمساعدتها على تحليل البيانات النصية في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأدنى وخارجها. هذه التعاونات التي بدأنا السعي إليها خلال وبعد GIJC25 تبني مباشرة على هذا الدرس. ورغم المخاطر المرتبطة بمواردنا المحدودة كمبادرة صغيرة، فإن الأثر الذي شهدته خلال جلسات المؤتمر لتعاونات مشابهة يجعل هذا المسار يستحق المخاطرة.
أدوات الذكاء الاصطناعي تعكس العوالم التي تدربت عليها
من العرض الذي قدمته الباحثة حسينة جوري
أحد أكثر الدروس تأثيرًا بالنسبة لي جاء من النقاشات حول حدود الذكاء الاصطناعي التوليدي. فقد أظهرت أبحاث قدمتها حسينة غوري أن العديد من النماذج المستخدمة على نطاق واسع ما زالت تعاني من ضعف في تمثيل لغات وثقافات وسياقات الجنوب العالمي، أي عالمنا ببساطة.
أكد عملها على مبادئ عملية للتعامل مع هذه الفجوات: التعامل مع الذكاء الاصطناعي كأداة وليس كسلطة، والتحقق من كل مخرجاته، والتساؤل عن مصادر بيانات التدريب، والإدراك أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه تعويض الخبرة الحياتية أو الفهم السياقي.
بالنسبة للصحفيين في بيئات مثل بيئتي، تظهر هذه التحديات بوضوح. فالبيانات قد تكون غير مكتملة أو يصعب الوصول إليها، كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي كثيرًا ما تخطئ في فهم اللغات والسياقات المحلية. وهذا يخلق توترًا دائمًا بين وعود التكنولوجيا وقابليتها للاستخدام اليومي.
في "أنماط"، لا نعتمد بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي التوليدي، لكننا نتعامل معه بحكم الواقع. ودعم الصحفيين والباحثين الذين يستخدمون بياناتنا يتطلب توجيههم لضمان أن أدوات الذكاء الاصطناعي تكمل تحليلاتهم بدلًا من أن تقوضها.
ماذا يعني ذلك لمستقبل "أنماط" وعملنا
لم يقتصر تأثير GIJC25 على تقديم أدوات وتقنيات جديدة، بل أعاد تشكيل طريقة تفكيرنا في دور مشاريع مثل "أنماط" داخل منظومة الصحافة الاستقصائية.
لطالما ناقشنا داخل المشروع كيفية توسيع أثره خارج نطاق تغطية النزاعات ومبادرات مثل "تأطير غزة". وقد فتحت النقاشات والأمثلة التي صادفتها في المؤتمر مسارات جديدة للتفكير في كيفية دعم مجتمع أوسع من الصحفيين والباحثين، وهو ما نراه بالفعل من خلال ورش العمل والتعاونات المستمرة حول القصص المبنية على بياناتنا، ونطمح بالبناء عليه عليه من خلال شراكات فعّلناها مع مؤسسات كإنفوتايمز ومجتمع التحقق العربي مؤسسات أخرى، نستطيع من خلالها الوصول بالمعرفة التي نمتلكها إلى أعداد أكبر من الصحفيين والباحثين.
كما ساعدتني هذه التجربة في الإجابة عن سؤال نطرحه دائمًا على أنفسنا: ما هي قيمتنا المضافة للمجتمع الاستقصائي؟ الإجابة تكمن في موقعنا الفريد عند تقاطع الصحافة والتكنولوجيا. كصحفية استقصائية، أعرف احتياجات غرف الأخبار، وكعاملة في مجال البيانات والتعلم الآلي، أستطيع ترجمة الإمكانات التقنية إلى أدوات تحقيق عملية وبيانات قابلة للاستخدام.
بعد شهور من عودتي من كوالالمبور إلى القاهرة، ما زلت أستوعب دروس ذلك الأسبوع. ما أصبح واضحًا بالنسبة لي هو أن الابتكار الحقيقي في الصحافة لا تحركه التكنولوجيا وحدها، بل يعتمد على المثابرة والتعاون والقدرة على تكييف الأدوات مع الواقع المحلي بدلًا من فرض واقع الأدوات على مجتمعاتنا.
مع النوايا الصحيحة والمعرفة المشتركة والشبكات القوية، يمكن للتكنولوجيا أن تجعل الصحافة الاستقصائية أكثر إتاحة، لا أقل، عبر الحدود واللغات والفجوات في الموارد.

